أخبار وطنية أولويات «حكومة الشاهد» تحت مجهر الخبراء: حذار من المحاصصة بالأسماء..
إثر الإعلان رسميا عن تكليف يوسف الشاهد بتكوين حكومة الوحدة الوطنية التي ينتظر جل التونسيين بلورة نتائجها على أرض الواقع، تباينت المواقف السياسية من مبارك لهذا التعيين واعتبار انه سيكون «طالع خير» على تونس وشعبها بما عرف عن «الشاهد» من كفاءة ونزاهة تجعله رجل المرحلة القادمة وبين من اعتبر أن هذا التكليف ستكون له عواقب وخيمة على الواقع السياسي في تونس بسبب فرض اسم يوسف الشاهد على المشاركين في الحوار دون مناقشة المواصفات المطلوبة في شخص رئيس الحكومة الجديدة.
في المقابل وبعيدا عن الانتقادات والمباركات، انطلق ماراطون المشاورات السياسية حثيثا بين جميع الأطراف المتداخلة في هذا الشأن قصد الخروج بتشكيلة تنال رضاء أغلب الأحزاب المشاركة وتكون راسمة لأهداف طال انتظارها من قبل هذا الشعب بعيدا عن كل الشعارات والمزايدات..
أخبار الجمهورية ارتأت في هذا الإطار الاتصال ببعض الشخصيات المتابعة للشأن السياسي لاستبيان تصورهم حول حكومة الشاهد المقبلة ومعرفة تكهناتهم حول واقعها ومستقبلها فكان التالي...
قيس سعيد: صراع داخل السلطة وبين أجنحتها
البداية كانت مع أستاذ القانون الدستوري والمحلل السياسي قيس سعيد الذي اعتبر ان المسألة المتعلقة بتكوين حكومة جديدة هي من قبيل التعسف على الشعب وعلى مطالبه ومن قبيل إلهائه بالأسماء وبتوزيع الحقائب، وذلك لاختصار الوضع في تونس في هذه المسألة. وأكد أنّ الأمر لا يتعلق بالأسماء ولا بالحكومة ولا بهيكلتها إنما يتعلق بنظام كامل وبمنظومة شاملة لم تتغيّر إلاّ في الشكل فقط، قائلا إنّ البرامج هي ذاتها وما أعلن عنه أنه برنامج جديد ليس في الواقع إلّا استمرارا للبرامج السابقة التي أثبتت الأعوام وأكدت الهزات المستمرة فشلها على حدّ تعبيره..
وأضاف الأستاذ سعيد متابعا قوله بأنّ القضية أيضا ليس في ما يسمى بالكفاءات بل هي قضية مشروع جديد وبناء سياسي وإداري يقطع مع البناء السياسي القائم الذي اعتبر انه «جاء في ظل الدستور الجديد في ظاهره جديدا ولكنه جاء عكس سياق التاريخ وعكس مسار الحراك الذي عرفته تونس، أتى بشكل بناء مركزي مطلق وحتى داخل المركز تحول الثقل مرة أخرى إلى القصر الرئاسي».
وقال في ذات السياق «وليس أدل على ذلك من أن الحكومة المستقيلة منحت الثقة في قصر باردو أو يفترض على الأقل أنها مستندة إلى الأغلبية التي صوتت لفائدتها ولكن حوارا تلفزيا أدى إلى سحب الثقة منها، وهذا دليل على أن مركز الثقل لم يتحول من مكانه».
وعلى هذا الأساس اعتبر قيس سعيد أنه لو كان البناء السياسي بالفعل جديدا لتمّ إنشاء مجالس محلية في كل معتمدية يتم انتخاب أعضائها بالإقتراع على الأفراد حتى يكون النائب المنتخب مسؤولا أمام ناخبيه وليس أمام الهيئات المركزية للأحزاب التي رشحته للانتخابات، مشيرا إلى أن هذه المجالس المحلية هي التي تتولى بكل معتمدية وضع مشروع المخطط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي.
كما شدّد محدثنا على انه من هذه المجالس المحلية تنبثق مجالس جهوية في كل ولاية بحسب نائب عن كل مجلس محلي وتتولى هذه المجالس الجهوية التأليف بين مختلف المشاريع التي تمّ وضعها في المستوى المحلي وفق قوله، مضيفا انّ من هذه المجالس المحلية أيضا يتم الاختيار على من يتولى تمثيلها في السلطة التشريعية الوطنية فإذا كان في تونس 264 معتمدية يكون المجلس التشريعي متكونا من 264 نائبا (بحساب نائب لكل مجلس محلي) وبقطع النظر عن الكثافة السكانية لأنها كمقياس لتحديد عدد الأعضاء تزيد من تهميش المناطق المحرومة..
وقال محدّثنا أن مثل التمثيل المذكور على هذا الأساس الجغرافي ليس بالبدعة على حدّ وصفه، حيث اعتبر أنه دون هذا المسار والتصور لن تغيّر الحكومات مهما كانت الأسماء من الأوضاع شيئا وما هذه «الأزمة» إلا دليل إضافي على أن الصراع هو صراع داخل السلطة وبين أجنحتها وليس صراعا حول البرامج والمشاريع وفق تعبيره..
وختم مداخلته معنا قائلا انه من المفارقات التي لا تشهدها الا تونس انّ مجلسا وزاريا انعقد خلال الأسبوع الماضي برئاسة رئيس الحكومة المستقيلة وفق تعبيره للنظر في تطبيق أحد المحاور التي وردت في ما يسمى بـ«وثيقة قرطاج» ، متسائلا عن أسباب تغيير الحكومة المستقيلة إن كانت قد بدأت في تطبيق ما تم الاتفاق عليه..
عمــار عمروسية... فلتنتظر هذه الحكومة فصلــي الخـريــف والشتــــــاء!
من جانبه اعتبر القيادي في الجبهة الشعبية والنائب عنها بمجلس نواب الشعب أنّ المشاورات مازالت مستمرة حول تشكيل الحكومة الجديدة رغم أنّ الجزء السهل منها قد وقع الاتفاق فيه ربما حتى قبل الإعلان عن رئيس الحكومة السيد يوسف الشاهد وفق تعبيره..
وبالنسبة لتصوّره بخصوص الحكومة المقبلة، قال عمروسية انه يعتقد أنها ستكون حكومة محاصصة حزبية وإعادة استنساخ للحكومات السابقة وهي بعيدة كل البعد عمّا سمي بحكومة الوحدة الوطنية وفق تعبيره، معتبرا انه يمكن الجزم بأن المبادرة الرئاسية قد انتهت إلى فشل ذريع في ما يتعلق بتوسيع القاعدة السياسية للحكومة القادمة وكذلك توسيع قاعدتها الاجتماعية، خاصة وأنّ أحزابا مثل المسار والجمهوري وحركة الشباب أعلنت منذ تكليف الشاهد خروجها عن المبادرة إضافة إلى ان الاتحاد العام التونسي للشغل قد عبّر منذ البداية عن عدم اهتمامه المطلق بالتمثيل فيها..
وفي سياق آخر دقّ محدثنا ناقوس الخطر من حيث اعتقاده أن الحكومة القادمة ستكون أكثر ضعفا داخل المجلس، قائلا انه ليس مضمونا بالمرة ان تصل في ما يتعلق بالحصول على الثقة إلى الرقم الذي نالته حكومة الحبيب الصيد.
أمّا في المجتمع وفي الساحات العامة فاعتبر النائب عمروسية أنّ صعوبات كبيرة ستنتظر هذه الحكومة، قائلا انّ الخريف والشتاء القادمين قد يحملان الجديد وربما لن تنعم هذه الحكومة بالمدة التي بقيتها الحكومة السابقة على حد تعبيره.
وبخصوص برنامج الحكومة القادمة المنتظر، أفاد عمروسية انه بات من الواضح بأن النقاط الخمس أو ما سمي بوثيقة قرطاج ليست في الواقع سوى شعارات عامة أصحابها أنفسهم يعتبرونها مجرد «إعلان نوايا»، قائلا إنها بمثابة خدعة كبيرة لا ترتقي إلى حاجيات الشعب التونسي الملحة وأولوياته في ما يخص موضوع البطالة والتهميش الاجتماعي والتفاوت الجهوي المقيت..
واعتبر أن برنامج الحكومة القادمة يعيد ذات السياسات القديمة بل أكثر من ذلك فالحكومة القادمة مجبرة وفق تعليمات صندوق النقد الدولي والدوائر الاستعمارية الكبرى على حد تعبيره إلى اتخاذ الإجراءات المؤلمة، مؤكدا أن الإجراءات التي لم تقدر الحكومات السابقة على تمريرها ستعمل الحكومة القادمة على محاولة تجسيدها على أرض الواقع.
وقال محدثنا أن هذه الإجراءات وفق ما ورد في رسالة حسن النوايا الممضاة من قبل محافظ البنك المركزي ووزير المالية سليم شاكر تتمثل في النقاط التالية:
-1 مواصلة دفع الديون الخارجية مما يعني أن خمس ميزانية السنة القادمة سيذهب إلى الخارج.
-2 المضي بوتائر أسرع في الخصخصة التي ستطال مرافق ومنشآت أساسية مثل شركة الخطوط الجوية التونسية والشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه.
-3 إيقاف الانتدابات في الوظيفة العمومية وغيرها.
-4 إلغاء صندوق التعويض.
-5 حل أزمة الصناديق الاجتماعية من خلال الترفيع في الضريبة وأيضا التخفيض في أجور المتعاقدين..
واعتبر السياسي عمار عمروسية أن مثل هذه الإجراءات تمثل خطوة متقدمة في الليبيرالية المتوحشة التي ستعمل حكومة الشاهد على اتخاذها وفق تعبيره...
عبـد اللطيـف الحناشـي: هـذه نصـائحـي لنجــاح الحكــومــة القـادمــة
من جهته اعتبر استاذ التاريخ المعاصر والمحلل السياسي عبد اللطيف الحناشي انه لا توجد حكومة مثالية ولا رئيس حكومة مثالي موجود على أرض الواقع واعتبر انه لكل عصر رجاله ولكل مرحلة رجالها، مشيرا إلى انّ المرحلة التي تمرّ بها البلاد عصيبة لذلك تتطلب رجالا يمتلكون القدرة والكفاءة لتشخيص هذه المشاكل والصعوبات التي تمر بها البلاد و امتلاك القدرات لمعالجتها في إطار رؤية واضحة وبرنامج دقيق ومفصّل.
واعتبر انّ المهم في هذه الحكومة أن يقودها أو يسيّرها رئيس حكومة يتمتّع بشخصية متوازنة له الجرأة الكافية لاتخاذ القرارات الضرورية والجريئة وعدم الارتهان لأي املاءات او ضغوطات داخلية (أحزاب او منظمات او رئاسة الدولة) او خارجية له قدرة تواصلية مع الشعب والمجتمع السياسي والمدني، وله بصيرة نافذة و يملك القدرة على القيادة والتوجيه يسيّر حكومته في مناخ الانسجام والتناغم على حد تعبيره..
وحول الشروط والصفات التي يجدر أن يتحلى بها وزراء الحكومة القادمة، أعرب محدّثنا عن تمنيه أن يتخلى رئيس الحكومة الجديد على اغلب الوزراء الحزبيين في حكومة السيد الحبيب الصيد، على اعتبار انّ التجربة بيّنت فشل أغلبية هؤلاء في إدارة شؤون الوزارات التي تولّوها بل رافق الفشل فضائح وفساد لم تعرف له البلاد مثيلا...
وشدّد الأستاذ الحناشي على ضرورة أن يبتعد رئيس الحكومة الشاهد في تشكيلة فريقه الحكومي عن فكرة المحاصصة «الجهوية» والفئوية والحزبية إن أمكن مع ضرورة أن تتحمّل كل الأحزاب البرلمانية مسؤوليتها في اختيار عناصرها إن لزم الأمر..
واعتبر انّ من أهم المواصفات التي يجب ان تتوفر في الوزراء الجدد الكفاءة ونظافة اليد والنزاهة والشجاعة في اخذ القرارات دون الارتهان للضغوطات المختلف ومنها أوامر وأجندات حزبه (ان كان ينتمي لحزب معين)، بل لبرنامج الحكومة ورئيسها وللوطن وان يمتلك شخصية قادرة على التسيير والإشراف والتوجه والإبداع في مجال وظيفته وله القدرة على الاستشراف والقدرة على السيطرة على بيئة وزارته والعمل على تفادي المشكلات قبل وقوعها....
كما نصح محدّثنا ان يكون عمره بين 30 ـ 60 كأقصى حد وله طاقة لتحمّل أعباء المرحلة بكل تعقيداتها وله القدرة على التواصل مع منظوريه ومع الناس والوعي بان المسؤولية تكليف وليست وجاهة و تشريفا..
إعداد: منارة تليجاني